ابن النفيس

15

المختار من الأغذية

السحرة والعرّافون أحب إلى الناس من الأطباء ، مع أنهم فرضوا عليهم طرقا للعلاج أبعد ما تكون عن العقل ؛ ذلك أن منشأ المرض في رأي السحرة يرجع لتقمّص الشيطان جسم المريض كعقاب على ذنب ارتكبه ؛ ولذا كان أكثر ما يعالج به هذا المرض ، هو تلاوة العزائم والصلوات . وإذا استخدمت العقاقير الطبية ، فإنها لم تكن تستخدم لتطهير جسم المريض ، بل لإرهاب الشيطان وإخراجه من الجسم ؛ ولهذا كان أكثر الأدوية شيوعا ، ذلك العقار المكوّن من خليط العناصر التي تعافها النفس كاللحم النيء ولحم الثعابين ونشارة الخشب ومسحوق العظام والشحم والأقذار والطعام الفاسد الممزوج ببول الحيوان والإنسان وبرازهما « 1 » . وكان الطب الأشوري ، هو قمة التطور في حضارات ما بين النهرين ، وقد عرف الأشوريون القيمة العلاجية للأعشاب ، بل نراهم يبالغون في هذه القيمة ، ففي اللوح الحادي عشر من النسخة الأشورية لملحمة جلجامش ، نجد النص التالي : - قال أوتونابيشتيم لجلجامش : لقد أتيت وتعبت وأجهدت ، ما ذا أعطيك وترجع إلى بلادك ؟ سأكشف لك يا جلجامش كلمة السر ، لأخبرك بسر الأرباب ؛ هناك نبتة مثل الشوك ، خذ جذرها ، سينغز شوكها يدك مثل الوردة ، فإذا حصلت على تلك النبتة ، فسوف تحصل على الحياة . - فما أن سمع جلجامش ذلك حتى دهن جسمه ، وربط أحجارا ثقيلة برجليه ، وسحبوه بقوة إلى ماء الأعماق ، ورأى النبتة ، التقط النبتة فنغزت يديه . - قال جلجامش لأورشانابي الملاح : هذه النبتة هي النبتة المجيدة ، حتى يحصل الرجل في نفسه قوته الجنسية ، سأحملها إلى ( مدينة ) أوردك ذات الأسوار وأجعلهم ( الشعب ) يأكلون ويقطعون النبتة ، اسمها ( ترجع الشيخ شابّا ) ولآكل منها حتى أسترجع شبابي « 2 » . * * * ومن خلال الألواح المسمارية الباقية من مكتبة أشور بانيبال ، إلى جانب بعض النصوص الأشورية الأخرى ؛ يتضح أن الطبيب الأشوري عرف خصائص المئات من الأعشاب والنباتات والمعادن ، وعالج المرضى بوصفات عشبية ، منها المحاليل

--> ( 1 ) ديورانت : قصة الحضارة ، الجزء الثاني ص 253 . ( 2 ) ملحمة جلجامش ( كلكامش ) تقديم د . سامي سعيد الأحمد ( دار الشؤون الثقافية بغداد 1990 ) ص 199 ، 200 .